ليلة مولده كانت ليلة عادية، حزينة إلى حد ما… 

حزن على العريس الذي قضى شابا.. والأرملة التي حُرمت منه.. واليتيم الذي ولد دون أن يرى أباه أو يراه أبوه..

لا بد أن هناك من فرح بذكرى تبقى من عبد الله… عبد المطلب أو أشقاؤه أو شقيقاته.. فرحة مغمسة بالحزن.. لكنها فرحة على أي حال..

 ولا بد أن آمنة فرحت عندما ضمته بين ذراعيها.. كأي أم ستفعل بعد رحلة الحمل والوضع المرهقة.. 

ربما كانت هناك دمعة خفية في عينها وهي تقول لنفسها: «اليتيمة ولدت يتيماً».. لكن لعل نظرة إلى وجهه كانت كفيلة بدفع هذه الدموع جانبا..

كانت غالبا ليلة عادية ، اختلط فيها الحزن على الأب الشاب بالفرح لقدوم الوليد الجديد..

• • •

عادية؟!

كيف تكون عادية وقد حدث فيها ما حدث من تلك الأحداث التي يسمونها إرهاصات النبوة مثل انطفاء نار المجوس، وسقوط شرفات إيوان كسرى، وسقوط أصنام مكة، وجفاف بحيرة ساوة والرؤيا التي رآها موبذان الفرس (قاضي القضاة عند الفرس) عن خيول العرب تجتاح فارس.. بل كيف تكون عادية وقد ولد عليه الصلاة والسلام في وضعية السجود؟! وكيف تكون عادية وقد ولد مختونا؟!

في الحقيقة كانت ليلة عادية لأنه لم يحدث فيها شيء مما ذكر.

لم يحدث.. ببساطة لم يحدث.

لم تنطفئ نار المجوس المقدسة.. لم ينشق إيوان كسرى ولم تسقط شرفاته… لا نعرف شيئا عن منامات وكوابيس الموبذان.. بحيرة ساوة لم ينخفض منسوبها ولا نعرف شيئا عن ذلك على الأقل.. أصنام مكة بقيت ثابتة في مكانها..

ولا .. لم يولد عليه الصلاة والسلام ساجدا، لم يولد مختونا، ولم يختنه جبريل.. بل ختنه جده عبد المطلب کما سيحدث مع كل من ولد يتيما وكفله جده..

لم يحدث عند ولادته، ولكن حدث لاحقا في حياته وعلى يديه.. انتكست الأصنام في مكة ، وسقط عرش کسری.. حدث بعمله وجهده ورسالته التي أبلغها لقومه من أكملوا طريقه.. وهذا هو ما يجب أن نركز عليه في سيرته الشريفة..

• • •

في كل مرة تأتي مناسبة المولد يتم ذكر هذه القصص -التي لم تحدث- كما لو كانت حقائق مطلقة بديهية لا شك فيها، بل ويتم معاملتها كما لو كانت معجزات من معجزاته عليه الصلاة والسلام… الكثيرون يعتبرونها من الدلائل على نبوته والبراهين على كون رسالته حقيقية…

لقد اهتز إيوان کسری يوم ولد، لا بد إذن أنه رسول حقا… شيء كهذا..

وعندما تؤمن طيلة حياتك بأن هذه الحوادث كانت معجزات ودلائل على نبوته عليه الصلاة والسلام، ثم تكتشف أنها لم تحدث أصلا، فإن إيمانك بنبوته، بكل ما جاء في رسالته، بل بصدقها… سیتزعزع.

هذا ما جناه من روج لهذه القصص وجعلها جزءا من الدين..

حبل الكذب قصير..

لكن حبل الخرافات أشد ضررا..

ضإنه يلتف حول عنق إيمانك..ويخنقه..

هذا ما يحدث عندما يبني الإيمان على أسس لا أساس لها..

يكون معلقا في الهواء.. ولا يصمد لأول حقيقة..

اقتباس من كتاب : “السيرة مستمرة” – تأليف أحمد خيري العمري.

About the Author

amina dehbi

أنا في عامي التاسع عشر، والمغرب وطني وبه نشأت. طالبة إعلام وتواصل. وأهتم بصناعة الأفلام الوثائقية وكل ما هو سمعي بصري، بما في ذلك صناعة المحتوى على مواقع التواصل الاجتماعي. أطمح لتعلم المزيد ثم المزيد في مجالات مختلفة.  

View All Articles