ما هو أول شيء تقوم به عندما تلتقي شخصا ما؟

توجد طرق متعددة لإلقاء التحية في جميع أنحاء العالم. لكل شعب طريقة تعكس ثقافته وتحدد هويته.

ففي دول شرق آسيا، يقوم الناس غالبا بتحية بعضهم عن طريق الانحناء. أما المسلمون في اندونيسيا فيشبكون أيديهم إلى جانب صدرهم ويلقون السلام. فيما يقوم الرجال في بعض الدول العربية بتحية بعضهم عن طريق الضغط على الأنف. أما في أوروبا الشرقية ودول حوض البحر المتوسط وأمريكا اللاتينية، فالطرق الشائعة هي العناق أو تقبيل الخدين.

ووسط هذا التنوع، تظل المصافحة هي الطريقة الأكثر شيوعا في الأوساط السياسية والاقتصادية والإدارية، وصولا إلى المجتمعية. وقد لوحظ تواجدها منذ القدم وظلت موجودة لآلاف السنين.

لكن، وبعد التطورات الوبائية الأخيرة، ظهرت تساؤلات عن إمكانية الاستغناء عن هذه العادات أو استبدالها بطرق أسلم في زمن الوباء.

المصافحة عبر التاريخ:

منحوتة تعود للقرن التاسع ق.م. تصور مصافحة الملك الآشوري شلمنصر الثالث والملك البابلي مردوخ زكير.

إن قصة المصافحة غامضة بعض الشيء وأصلها ضبابي إلى حد كبير. فهي تسبق التاريخ المكتوب، وبالتالي يصعب تعقبها.  

وبعودتنا لعمق التاريخ، سنجد أن المصافحة كانت متعلقة بـ “الألوهية”. ففي فترة حكم الكيشيين في بابل ( 1155-1600 ق.م)، كان يطلب من الملك الجديد إمساك يد تمثال “نمرود”، ‘الإله’ الرئيسي لمدينة بابل، تمثيلا لتقديم السلطة من ‘الإله’ إلى الحاكم. وهو نفس المبدأ الذي صوره مايكل أنجلو على سقف كنيسة سيستينا في لوحته الشهيرة “Creazione di Adamo”.

لكن النظرية الشائعة التي تفسر أصل المصافحة، تشير إلى أنها بدأت كبادرة سلام. من خلال مد اليد اليمنى -التي استعملت عادة لحمل السلاح- دليلا على خلوها من آلات الحرب والقتل، وتعبيرا للآخر على حسن النية تجاهه. أما حركة هز اليد فكان القصد منها الإطاحة بأي شفرات أو سكاكين قد تكون مغطاة بالأكمام. وهذا ما ساعد على بناء الثقة المتبادلة. كما جاء في ملحمة هوميروس -الإلياذة.

ومن خلال الصور والمنحوتات الأثرية أيضا، يتبين أن المصافحة استخدمت منذ آلاف السنين في عدة سياقات، كالزواج وبين الملوك وغيرها من العلاقات.

ويعود أصل أقدم مصافحة مصورة إلى عام 850 قبل الميلاد. إذ عُثر في وادي الرافدين على منحوتة توثق معاهدة الصلح بين الملك الآشوري “شلمنصر الثالث” والملك البابلي “مردوخ زكير”، بعد صراعات طويلة بين الآشوريين والبابليين.

فقد كانت المصافحة إذن دليل أمان وتهذب وحسن نية. وتطورت لتصبح سلوكا اجتماعيا يحمل نفس مبدأ السلام والتعايش والترحيب بأي تواصل.

هل سنستطيع التخلي عنها؟

حافظت المصافحة طوال العصور على مبدئها المرتكز على الثقة والسلام، إلا أن الأمور بدأت تتغير الآن في “زمن الوباء”. فبدلا من أن تكون بادرة حسن نية كالسابق، أصبحت تحيل إلى عدم الراحة. بل واعتبرها البعض سلاحا بيولوجيا.

فوفقا لأبحاث قامت بها جامعة كولورادو، إننا نحمل في أيدينا متوسط 3200 من البكتيريا من 150 نوع مختلف. ومع ذلك، اعتبرت التحية عبر اليد طوال قرون مقبولة بين الناس.

في حين وجد البعض، الآن، صعوبة في التخلي عن هذا السلوك الثقافي المتجذر. ما خلق إحراجا في بعض المواقف عند رفض مصافحة شخص بادر بها. فمرحلة محاولة استبدالها أو التخلص منها تعتبر غير مريحة.

فهل سنستطيع استبدال عادتنا الثقافية المتجذرة بعمق في طريقة حياتنا؟ وهل ستستطيع “كورونا” أن تضع حدا لعادات التحية هذه كما فعل الطاعون مع تقبيل الخدين في فرنسا لقرون؟

يجب علينا أن نتكيف مع الطبيعة وما فرضه الواقع من أجل ضمان البقاء. ففي ظروف كهذه لن تساعد الصلابة الثقافية.

وربما سنجد الجواب عندما ينتهي الوباء.. لا اليوم.

About the Author

amina dehbi

أنا في عامي التاسع عشر، والمغرب وطني وبه نشأت. طالبة إعلام وتواصل. وأهتم بصناعة الأفلام الوثائقية وكل ما هو سمعي بصري، بما في ذلك صناعة المحتوى على مواقع التواصل الاجتماعي. أطمح لتعلم المزيد ثم المزيد في مجالات مختلفة.  

View All Articles