جورج فلويد مواطن أمريكي أسمر البشرة. كان يشتغل حارسا في أحد المطاعم بمدينة مينابوليس بولاية مينيسوتا الأمريكية. أوقفه مساء يوم الاثنين، 25 ماي من السنة الجارية، عناصر شرطة في الشارع للاشتباه به في عملية تزوير الأموال. لكن طريقة التعامل معه كانت بعيدة عن كل أشكال الإنسانية. 

التقط أحد المارة مقطعا مصورا للحظة الاعتقال التي وصفها البعض بالوحشية. فقد ثبّت أحد عناصر الشرطة رأس فلويد أرضا بإحدى ركبتيه لمدة ثمان دقائق. ما جعله يفقد القدرة على التنفس، مطالبا الشرطي بإبعاد ركبته. ولكن لم يستجب رجال الشرطة رغم تدخل المارة. ففَقَدَ فلويد وعيه قبل نقله في سيارة الإسعاف. حيث توفي بعد ذلك بوقت قصير.

انتشر المقطع المصور على مواقع التواصل الاجتماعي بشكل واسع، وأثارت الحادثة غضب الرأي العام الأمريكي والعالمي. فتصدر على موقع تويتر هاشتاغ #BlackLivesMatter مرة أخرى بعد إطلاقه سنة 2013 لنفس السبب الراجع لانتهاكات عنصرية ضد المواطنين أصحاب البشرة السمراء. وخرج الآلاف من أهالي مدينة مينابوليس وغيرها من المدن، محتجين في مسيرات، مطالبين بتحقيق العدالة. ولازالت القضية تعرف تطورات مع مرور كل يوم.

“لا أستطيع أن أتنفس”

جورج فلويد

في نفس يوم وقوع هذا الحادث، انتشر مقطع آخر لسيدة في إحدى الحدائق العامة بنيويورك، تتصل بالشرطة راجية منهم الحضور لإلقاء القبض على رجل أسمر البشرة بعد خلاف بسيط بينهما، قائلة: “هناك أمريكي من أصول إفريقية هنا يصورني ويهددني أنا وكلبي”.

الانتهاكات العنصرية بأمريكا امتداد لزمن العبودية:

ليس جورج فلويد أول من مات بسبب الأفكار العنصرية المتجذرة في عقول البعض، وليس مُصَوِّر مقطع السيدة في الحديقة بنيويورك هو الوحيد الذي تعرض لمضايقات بسبب اختلافه. بل هما يمثلان فئة كبيرة تتعرض لأفعال عنصرية كهذه، لكن لم يعرفها العالم، ولازالت تعاني، منذ زمن العبودية.

فقد مارس الإنسان الأبيض قديما العنصرية على الشعوب الأخرى، فكان يستعبد الأفارقة ويشغلهم في الحقول والمزارع وغيرها. فترسخت بهذا فكرة التمييز بين “البيض” و”السود” والفئات الأقلية كذوي الاحتياجات الخاصة. واعتُبِر دائما في تاريخ أمريكا أن الإنسان الأبيض هو صاحب المكانة الرفيعة والعليا وصاحب الامتيازات، أما الفئات الأخرى فهم في الدرجة الدنيا.

سأروي هنا، بتسلسل زمني، قصص أشخاص تعرضوا لانتهاكات في الولايات المتحدة الأمريكية. وستُسقِط كل قصة نوع الأفكار المتواجد في زمنها.

1- أوتا بينغا.. إنسان عُرِض في حديقة حيوانات: [1904-1916]

أوتا بينغا

في سنة 1883، ولد أوتا بينغا في قرية صغيرة وسط الأدغال بالكونغو. كان شابا قصير القامة، إذ لم يتجاوز طوله المتر والنصف. وفي عام 1904 هجمت قوات الاستعمار البلجيكي على قريته. ثم قتلت جميع سكانها، بمن فيهم زوجته وطفليه.

قادته القوات بعدها رفقة مجموعة ممن لم يقتلوا إلى العبودية. فاشتراه تاجر قدِم من أمريكا لإفريقيا في مهمة للبحث عن “أقزام” أفارقة، كي يتم عرضهم على الناس لإثبات صحة نظرية داروين التطورية. 

وذلك فعلا ما كان. وصل أوتا بينغا إلى أمريكا وقُيِّد بالسلاسل ووُضِع في قفص. ثم عُرِض على الجمهور في المعرض الأنثروبولوجي سانت لويس إلى جانب أنواع مختلفة من القردة. 

قدمه علماء التطور على أنه “أقرب مرحلة انتقالية من تطور الإنسان.” ثم نقلوه بعد عامين للعيش في حديقة حيوانات إلى جانب أنواع مختلفة من القردة. وعاملوه كأي حيوان عادي.

سنة 1906، أُطلق سراح أوتا بينغا بأمر من الكنيسة، ووضع في ميتم للجوء السياسي.

2- روزا باركس.. رفضت طلب مواطن أبيض، فاعتُقِلت: [1955-1990]

روزا باركس

عودة لأول سنة من القرن العشرين، صدر قانون يخصّص عددا من المقاعد في النقل العمومي للمواطنين من الدرجة الأولى- أصحاب البشرة البيضاء-، وفي نفس الوقت خُصصت أيضا مقاعد أخرى لأصحاب البشرة الملونة. لكن في حالة ما إذا لم يكن هناك مقعد فارغ لأحد الركاب البيض، يطلب سائق الحافلة من الركاب ذوي البشرة الملونة إخلاء المكان له. 

استمر الحال على ما كان عليه ولم يتمتع المواطنون أصحاب البشرة السمراء بحقوق مدنية متساوية مع “البيض”. وكانوا يعانون تحديدا من تعامل الشرطة.

بعد مرور نصف قرن، تحَدَّت “روزا باركس” هذا القانون العنصري ورفضت أن تترك مكانها في الحافلة لراكب أبيض البشرة سنة 1955، فاعتُقِلت.

استمرت بعد ذلك في الكفاح من أجل ضمان الحقوق المدنية للفئات المهمشة، وأصبحت رمزا من رموز تلك الحركة النضالية إلى جانب مناضلين آخرين كمارثن لوثر كينغ، الذي كرس سنوات من حياته للنضال في سبيل الحرية وحقوق الإنسان.

وفي سنة 1964، وبعد ضغط من الناشطين الحقوقيين ومنظمات الحقوق المدنية، تم التوقيع رسميا على قانون الحقوق المدنية الذي جاء لحظر كل أنواع التمييز ونبذ العنصرية.  

لكن هذا الإلغاء الرسمي للتمييز العنصري في الولايات المتحدة الأمريكية لم يكن كفيلا بضمان كل حقوق هذه الفئة، خصوصا وأن التخلص من أفكار رافقت شعبا على مدى طويل لا يحدث بسهولة. إضافة إلى مساهمة بعض المرشحين للرئاسة، كريتشارد نيكسون ورونالد ريغان، في ترسيخها بطرق غير مباشرة، خدمة لحملاتهم الانتخابية. باستهداف المواطنين الذين لم يظهروا عدوانية في تمييزهم، ولم يعترفوا أن لديهم أي ميولات عنصرية، ولكنهم اعتبروا دائما أنهم أعلى مرتبة من أصحاب البشرة الداكنة. والذين أَطلَق عليهم “إِبرام كِندِي” عبارة ” العنصريون غير العنصريين” في كتابه “Stamped from the Beginning”.

فظلت العنصرية رغم ذلك ثابتة في الولايات المتحدة الأمريكية، حيث عانت هذه الفئة من التهميش، وسُجِّلت نسبة البطالة لديهم بضعف نسبتها لدى البيض وكان دخلهم المادي أقل، ثم سجلت نسبة اعتقالاتهم أكثر. وعانوا بسبب تعامل الشرطة الذي لا زال يحافظ على نزعة عنصرية.

3- رودني كينغ.. علامة بارزة في التاريخ الأميركي المعاصر [1991-1992]

رودني كينغ

رودني كينغ، هو سائق سيارة أجرة أمريكي أسمر، تجاوز السرعة القانونية أثناء القيادة في إحدى ليالي عام 1991. فأوقفته دورية مكونة من سبعة وعشرين رجل شرطة بعد مطاردته لمسافة طويلة. ثم انهال عليه أربعة ضباط بضرب وحشي قبل اعتقاله، دون مقاومة منه. وقد تعرض لكسور كثيرة على مستوى الجمجمة والوجه والرجل.

صَوَّر رجل يقطن بالجوار من الشرفة كل ما حدث. وفي اليوم التالي بُثَّ المقطع الذي يوثق الحادثة على إحدى المحطات التلفزيونية  ليرى العالم واحدة من أكثر الأفعال اللا إنسانية. ما أثار غضب الناس في أمريكا، ولاسيما في لوس أنجلوس التي يلمس الكثير عدوانية الشرطة بها.

صدرت أحكام هيأة المحلفين سنة 1992 وبرَّأَت الضباط المتهمين. فخرجت حشود غاضبة وعاشت المدينة سلسلة من أحداث الشغب والنهب وإحراق الممتلكات، والاضطرابات المدنية، أسفرت عن مقتل 58 شخصا وإصابة  2300 آخرين ،عُرِفت بـ”قضية رودني كينغ”.

يوجد وثائقي “رودني كينغ”، يمكنه تزويدكم بتفاصيل أكثر حول هذه القضية.

إعلان الوثائقي:

 قصة رودني كينغ وغيره ممن تعرضوا لعنف مفرط من طرف الشرطة، كجورج فلويد. أوضحت أن العنصرية  ثابتة طوال تاريخ الولايات المتحدة. وبالتالي، لازال من الممكن رؤيتها بوضوح تام.

About the Author

amina dehbi

أنا في عامي التاسع عشر، والمغرب وطني وبه نشأت. طالبة إعلام وتواصل. وأهتم بصناعة الأفلام الوثائقية وكل ما هو سمعي بصري، بما في ذلك صناعة المحتوى على مواقع التواصل الاجتماعي. أطمح لتعلم المزيد ثم المزيد في مجالات مختلفة.  

View All Articles