تَأَمَّلَهَا وحفظ تفاصيلها، أشعل نارا ثم سار باتجاه الكهف المتواجد خلفه.. سار إلى العمق حيث اختفى أثر أشعة الشمس. وجسد ما رآه خارجا بتلك العينين المنبهرتين على الجدار، موجها شعلة النار تلك نحوه لتمكنه من الرؤية. رسم حيوانات ورموزا وعبر عن مشاعر كان يكبحها منذ مدة. ولا زال ما تركه على الجدران خالدا إلى اليوم.

فقد ابتدأت علاقته بالصورة منذ حينها، بِها جَسَّد واقعا وبِها عبر عن أفكار ومواقف.. ولا زال.

هي الصورة التي رافقته منذ عصر الكهوف إلى عصر التكنولوجيا، مرورا بالنحت ثم الرسم وأخيرا التصوير الفوتوغرافي. أصبحت تغزو عالمه وتقحم نفسها في كل مجال، فمع التطور الرقمي، أصبح استهلاكها وإنتاجها سهلا، وتحولت من تقنية ميكانيكية إلى فن إبداعي يخدم عدة مصالح ويمرر رسائل و يروي حكايات.

هي الصور الفوتوغرافية، وفي معناها اليوناني الرسم أو الكتابة بالضوء، بدمج لفظة “فوتوس” اليونانية المشيرة إلى الضوء و”غرافين” الدالة على الرسم أو الكتابة.

القُمرة

اسم عربي أصيل يُحكى أنه الأصل للفط “كاميرا”، أطلقه أبو البصريات العراقي أبو علي الحسن بن الحسن بن الهيثم على أول آلة تصوير فوتوغرافية في نسختها البدائية والممثلة على شكل غرفة مظلمة تحتوي على منفذ إضاءة صغير الحجم، يُمَكِّنُ من انعكاس الجسم أو المنظر المقابل على الجهة المقابلة للمنفذ من الغرفة. لم تكن سابقة أتى بها ابن الهيثم، فقد تحدث كل من أرسطو والفيلسوف  الصيني موزي قبل الميلاد عن الفكرة نفسها. لكن التطبيق الفعلي كان مع أبي البصريات سنة 1030م.

اختراع كان المراد منه أساسا مراقبة سلوك الضوء وانعكاساته، فقد كان ابن الهيثم مهتما بالضوء وقانونه أكثر من كونه راغبا في تثبيت صور للواقع الخارجي.. وبعده في القرن السادس عشر أضاف دانييل باربارو ومخترعون غيره أجزاء مَكَّنَت من تجويد عملية اشتغال تلك القُمرة، كالعدسة بدل الثقب والزجاج والورق.. وتكلف الرسامون بحفظ اللوحات عبر رسمهم لتلك المناظر الظاهرة داخل الكاميرا.

أول صورة فوتوغرافية

لتثبيت الصور وحفظها اقتضى الأمر تَدَخُّل الكيميائيين، وبعد محاولات وتجارب مختلفة للعديد منهم، تمكن أخيرا جوسيف نيسيفور نييبس الفرنسي من التقاط أول صورة فوتوغرافية سنة 1827 من نافذة غرفته، استغرقت مدة التقاطها ثمان ساعات. وكانت تجربة نجح في إنجازها بعد فشل المئات قبلها. وقد استمرت محاولاته بقرابة العشر سنوات قبل أن يتمكن من تثبيت صورته بإضافة مادة تصبح غير قابلة للانحلال بعد تعرضها للضوء إلى صفيحة من النحاس ومواد مكنته من النجاح في تجربته.

استحالة التقاط صورة إنسان

كان لنييبس، ملتقط أول صورة، فضل كبير على مجال الفوتوغرافيا، إلا أن الوقت المستغرق لالتقاط الصورة الواحدة كان يجعل أمر عنصر بشري بها أمرا مستحيلا. إلى أن أعلن داغير، شريك نيسيفور نييبس، بعد وفاة الأخير، عن تمكنه من تقليص مدة الاتلتقاط من ساعات إلى ثلاثين دقيقة. وظلت اجتهادات العلماء مستمرة بغية تقليص الوقت أكثر. وتمكن أخيرا داغير من التقاط أول صورة لشوارع باريس تظهر بها ملامح رجلين كانا جالسين لمدة سمحت بتحديد ملامحهما. وتطور هذا المجال إلى أن ظهرت السينما وميلاد الصورة الفوتوغرافية الملونة. ولازال الأبحاث والابتكارات مستمرة إلى اليوم.

About the Author

amina dehbi

أنا في عامي التاسع عشر، والمغرب وطني وبه نشأت. طالبة إعلام وتواصل. وأهتم بصناعة الأفلام الوثائقية وكل ما هو سمعي بصري، بما في ذلك صناعة المحتوى على مواقع التواصل الاجتماعي. أطمح لتعلم المزيد ثم المزيد في مجالات مختلفة.  

View All Articles