لهم في العطاء حياة

لهم في العطاء حياة

أكتب الآن وما كنت صدقا أنوي الكتابة في البداية، لكن لما خلفته هذه التجربة من أثر على نفسي، أردت أن أوثقها وأشاركها هنا معكم.. ومع نفسي، لأعود إليها من حين لآخر.

سبت وأحد كانا كفيلان بإعادة ترتيب أولوياتي. سبت وأحد ليسا كأي سبت وأحد، خلالهما جددت لقائي بذاتي، بعد ما رأيته وأحسسته وعشته. عادت تلك الروح التي افتقدتها، بعد أن أدركت أنه لا زال على “هذه الأرض ما يستحق الحياة”. لا زال على هذه الأرض كرم وعطاء. ولا زال الخير في شباب لا يرتجون أي مقابل. بل وعادت البساطة والراحة لتستوطناني بعد أن لامس إحسان الزائرين وكرم المستضيفين روحي خلال رحلتي تلك.

كل شيء بدأ حين راسلتني أميمة أسكور-شابة متطوعة، وهي من أشرفت على تنظيم المبادرة- ودعتني للمشاركة في قافلة هدفها حفر بئر في أحد الدواوير بالمغرب. وافقت دون تردد. وما بين الرسالة الأولى ولحظة وصولنا للدوار صباح يوم السبت، راودتني تساؤلات كثيرة. تساءلت عن ما سأحسه حين أخوض تجربة كهذه للمرة الأولى، وأنا التي أذرفت دموعا كثيرة حين شاهدت أعمالا شبيهة خلف الشاشات.

تساؤلات لم أجد جوابا لها للحظتي هذه، لا أعلم بم أحسست صدقا، أسعادة هي أم اعجاب أم حزن أم تضامن. أسعيدة كنت بشباب يمد يد الإحسان للآخر. أم معجبة كنت بكرم وجود سكان المنطقة الذين عجزت كلماتي وتعابيري عن وصف طيبتهم وحسنهم وترحيبهم، رجالا ونساءا، أطفالا وشيوخا. أم حزينة كنت لحال مئات الناس وكفاحهم للحصول على أساسيات الحياة، للحصول على أبسط الحقوق.

بعد عشر ساعات، وصلنا لوجهتنا صباح يوم السبت. ومع اقترابنا تتصاعد أصوات رجال ونساء الدوار وألحان “البنادر” المرحبة بقدومنا. استقبلونا وكانوا سعداء بوصولنا، وكنا قد نسينا ارهاق العشر ساعات تلك بعد رؤيتهم.

استقبلونا في منازلهم، وقدموا لنا وجبة الفطور، فتوجه الفريق بعدها للقيام بدوره وباشر الشباب في العمل. فالى جانب حفر البئر، كانت مشاريع أخرى طور الإنجاز، صيانة مسجد الدوار و”المسيد” وروض الأطفال، وأيضا توزيع ملابس واعانات لأطفال الدوار

خلال اليوم الأول، بمشيئة الله، تم استخراج الماء وتحقق الهدف الأساسي للقافلة “توفير الماء الصالح للشرب لسكان المنطقة”.

وخلال اليومين كانت قد تمت بنجاح جميع المراحل المخطط لها “ترميم المسيد والمسجد وروض الأطفال، بااضاة الى تقديم الاحتياجات الخاصة بموجات البرد بالمنطقة. لم أركز على ما يعانيه هؤلاء الناس البعيدون المنسيون، بقدر ما ذكرت الجوانب التي أسعدتني وأثارت انتباهي. ربما لأن ترحيبهم وكرمهم وتعاملهم خلفوا أثرا عميقا على نفسي. لكن حقيقة أنهم كانوا يقطعون مسافات طويلة للحصول على لترات من الماء لكي يشربونه، لا يجب أن تنفى. بل وحدثتني صغيرة اسمها عائشة بادلتها أطراف الحديث أنها تشرب مياه الأمطار وحين تتجمد لتصير ثلجا تأكله بدلا عن الماء. وهو ما لا زالت تعانيه مناطق أخرى، وربما تعاني الأسوء. خاصة في فترات البرد والثلج ودرجات الحرارة تحت الصفر.

Related Posts
Leave a Reply

Your email address will not be published.Required fields are marked *